نخبة من الأكاديميين
263
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
وأوشك على فتح جبهة فارس من جديد ، وبعد أن تزايدت المنافسة مع إسبانيا في حوض المتوسط وشمال أفريقيا كما سنرى - . ومع هذا فلم تحل هذه الرغبة المتبادلة في التعاون بين الطرفين العثماني والفرنسي دون أحدهما التصالح مع شارل الخامس كلما سنحت الفرصة التي تخدم المصالح الخاصة لأي منهما ، وكانت فرنسا تبرهن في أغلب الأحيان على تغلب التزاماتها الصليبية تحت ضغوط الرأي العام . وبالرغم من هذه التأرجحات في الموقف الفرنسي فإن هذا لم يحُل بين السياسة العثمانية وهدفها الأساس ؛ أي بقاء أوروبا مقسمة ، وساعدها على ذلك أيضًا مساندتها الحركة البروتستانتية في ألمانيا وتشجيعها ضد البابا والإمبراطور شارل ، وحفّزها على التعاون مع ملك فرنسا ( حيث اتخذ هذا الأخير موقفًا ضد الحركة الكاثوليكية المضادة للبروتستانتية ) . ولقد كان الضغط العثماني العسكري على الهابسبورج ( 1521 - 1555 م ) من أهم العوامل التي دعمت من قوى الحركة البروتستانتية وأدت في النهاية للاعتراف بها في أوروبا « 1 » . كذلك هل كان تحقيق الأهداف العثمانية السياسية يستلزم في ظل طبيعة هذا الإطار السياسي في أوروبا عقد معاهدة 1535 مع فرنسا . والمعاهدة عرفت باسم " معاهدة الامتيازات " ( في حين أن أصل التسمية هو معاهدة الصداقة والتجارة ) ؛ تقتضي الإجابة عن هذا السؤال تحليل طبيعة بنود هذه المعاهدة وآثارها السياسية والاقتصادية بالنسبة للمصالح الإسلامية والعثمانية لمعرفة ما إذا كانت تعني خضوعًا من جانب السلطان العثماني على حساب المصالح الإسلامية « 2 » . * تعتبر المعاهدة امتداداً لتقاليد المعاهدات المصرية - الإفرنجية في العصر المملوكي ، وكما أن تاريخ الامتيازات الأجنبية في البلاد الشرقية أقدم من هذا - حيث يرجع إلى عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد - إلا أن هناك اتفاقًا بين عدة مصادر على أنها تمثل نقلة نوعية ؛ فمن ناحية : يرى البعض أنها كانت أول معاهدة تعددت فيها الامتيازات الممنوحة في بلاد الدولة العلية ، وكان المبدأ الجديد هو تمتع الفرنسيين بحرية الانتقال ؛ أي بحق التجارة والسكن والإقامة والاشتغال بحثًا عن السلع في جميع أنحاء الإمبراطورية العثمانية . كما نصت على إقامة سلام فاعل ومضمون بين السلطان والملك مدة حياتهما وليس عشر سنوات فقط ، كما أعفي الفرنسيون من الضريبة المفروضة على الذميين ومنحوا حق ممارسة شعائرهم الدينية وحق محاكمتهم بموجب قوانينهم . * وعلى ضوء المقارنة بين التقييمات المختلفة لمضمون المعاهدة وعلاقتها بالأسس الإسلامية ، وبالنظر إلى الإطار السياسي التاريخي للمعاهدة يمكن القول إن امتيازات المعاهدة لم تكن رد فعل لقوة غربية متفوقة كما لم تكن سياسة متعمدة تهدف إلى تعبئة مساندة قوة غربية ضد تحديات كيانات إسلامية أخرى ( كما سيحدث بعد ذلك في القرنين التاليين ) ولكنها كانت تعبيرًا عن نمط مغاير من العلاقات يسعى لأهداف مختلفة ؛ ولذا فهي لم تكن تخليَّا عن الجهاد ولم تكن تنازلًا عن حق ولكنها كانت تكتيكًا سياسيًا لتطويع أدوات الجهاد ضد أعداء الإسلام وفقًا لظروف العدو وللظروف السياسية
--> ( 1 ) H . Inalick : op . cit . pp 362 - 330 . حول مزيد من التفاصيل عن علاقات الدولة العثمانية مع البابا والقوى الكاثوليكية حتى آخر عهد سليمان القانوني وفي ظل التأرجح الفرنسي أنظر : Charles Farzee : Catholics and Sultans : The Church and the Ottman Empire ( 1453 - 1923 ) , 1983 . pp 26 - 36 . ( 2 ) أنظر النص الكامل لبنودها في محمد فريد : مرجع سابق ، ص ص 224 - 230 ، وحول الدلالات الدبلوماسية والسياسية المختلفة لهذه المعاهدة في ظل سياقاتها الإقليمية والعالمية أنظر : د . صبحي لبيب : " الفندق : ظاهرة سياسية اقتصادية قانونية " ، في : د . رؤوف عباس ( محرر ) : مصر وعالم البحر المتوسط ، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع ، القاهرة 1986 ، ص 302 . د . يوسف علي رابع الثقفي : " معاهدة الامتيازات العثمانية الفرنسية 941 ه - - 1535 م . مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية ، عدد 6 ، 1403 ه - - 1983 م ، ص ص 147 - 148 . د . مجيد خدوري : مرجع سابق ، ص ص 363 - 364 . يوسف علي رابع الثقفي : مرجع سابق ، ص 148 . د . صبحي لبيب : مرجع سابق ، ص 148 . " الامتيازات الأجنبية في الممالك العثمانية " ، المقتطف ، 5 ذو الحجة 1332 ه - / نوفمبر 1914 ، مجلد 45 ، جزء 5 ، ص 58 . د . مجيد خدوري : مرجع سابق ، ص ص 363 - 364 .